الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
318
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أن يكون عبدا حقيقيا للخالق جل وعلا ، وإن مقام العبودية هذا يكون سببا في شمول الإنسان بالرحمة الإلهية ، وفتح أبواب المعرفة والعلم في قلبه . كما أن استخدام عبارة من لدنا تبين أن علم ذلك العالم لم يكن علما عاديا ، بل كان يعرف جزءا من أسرار هذا العالم ، وأسرار الحوادث التي لا يعلمها سوى الله تعالى . أما استخدام ( علما ) بصيغة النكرة فهو للتعظيم ، ويتبين من ذلك أن ذلك الرجل العالم قد حصل من علمه على فوائد عظيمة . أما ما هو المقصود من عبارة رحمة من عندنا فقد ذكر المفسرون تفاسير مختلفة ، فقال بعضهم : إنها إشارة إلى مقام النبوة ، والبعض الآخر اعتبرها إشارة للعمر الطويل . ولكن يحتمل أن يكون المقصود هو الاستعداد الكبير والروح الواسعة ، وسعة الصدر التي وهبها الله تعالى لهذا الرجل كي يكون قادرا على استقبال العلم الإلهي . أما ما ذكر من أن هذا الرجل اسمه ( الخضر ) وفيما إذا كان نبيا أم لا ، فسوف نبحث كل ذلك في البحوث القادمة . في هذه الأثناء قال موسى للرجل العالم باستفهام وبأدب كبير : قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا . ونستفيد من عبارة " رشدا " أن العلم ليس هدفا ، بل هو وسيلة للعثور على طريق الخير والهداية والصلاح ، وأن هذا العلم يجب أن يتعلم ، وأن يفتخر به . في معرض الجواب نرى أن الرجل العالم مع كامل العجب لموسى ( عليه السلام ) قال إنك لن تستطيع معي صبرا . ثم بين سبب ذلك مباشرة وقال : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا . وكما سنرى فيما بعد ، فإن هذا الرجل العالم كان يحيط بأبواب من العلوم التي تخص أسرار وبواطن الأحداث ، في حين أن موسى ( عليه السلام ) لم يكن مأمورا